دار عزام… حين تتحول الرائحة إلى ذاكرة
تبدأ الحكاية في دار عزام قبل أن تصل الرائحة إلى الزجاجة. تبدأ من الأرض، ومن معرفة النبات وموسمه، ومن اللحظة المناسبة لقطفه، ثم تنتقل إلى التقطير واستخلاص الجوهر الذي يحمل رائحته. بالنسبة لعزام الغامدي، صناعة العطر ليست مجرد مزج روائح مختلفة؛ بل رحلة تتداخل فيها الطبيعة مع الخبرة والذاكرة. ودار عزام نفسها تلخّص فلسفتها بعبارة «من الأرض إلى الجوهر»، حيث تبدأ رحلة العطر من زراعة النباتات وحصادها ثم تقطيرها باليد.
من النبات تبدأ الرائحة
يرتبط عمل دار عزام بالنباتات العطرية التي تنمو في بيئات المملكة، ومن بينها الورد الطائفي والريحان واللافندر والبعيثران. تُجمع النباتات وتُنقل إلى المعمل، حيث تتحول عبر عملية التقطير إلى زيوت وخلاصات عطرية تحفظ خصائصها وروائحها الطبيعية. ومع كل نبات تختلف التفاصيل: الموسم، ووقت القطاف، وجودة الخامة، وطريقة الاستخلاص. لذلك لا تبدأ صناعة الرائحة عند تركيب العطر، بل قبل ذلك بكثير؛ من معرفة المادة الخام نفسها.
تتجاوز العلاقة مع الرائحة عند عزام فكرة المنتج نفسه. فالرائحة مرتبطة بالمكان والطفولة والذاكرة؛ ويمكن لنبتة واحدة أن تعيد إلى الذهن موسمًا أو جبلًا أو مجلسًا أو بيتًا قديمًا. وهذه الفكرة تظهر في تجربة دار عزام بوضوح: محاولة تقديم روائح تنطلق من خامات وبيئات محلية، بحيث لا تكون الزجاجة نهاية القصة، بل وسيلة تحتفظ بشيء من المكان الذي بدأت منه. وقد وصفت تجربته في تقطير النباتات بأنها محاولة لتشكيل هوية شمّية سعودية نابعة من البيئة المحلية.
«في دار عزام، لا تُصنع الرائحة فقط… بل تُحفظ ذاكرة الأرض في قطرة.»
حرفة في قلب جدة التاريخية
في جدة التاريخية، وسط مكان تشكلت هويته عبر التجارة والحرف والروائح القادمة من أنحاء مختلفة، تجد دار عزام سياقًا طبيعيًا لحكايتها. داخل المعمل تصبح عملية التقطير نفسها جزءًا من التجربة: النباتات، والزجاج، والبخار، وأدوات الاستخلاص، ثم القطرة التي تتجمع ببطء. هنا يستطيع الزائر أن يرى المراحل التي عادةً لا تظهر عندما يمسك زجاجة العطر في شكلها النهائي. كما تمتد تجربة عزام إلى العود والبخور والعطور الطبيعية ونقل المعرفة من خلال الورش والتجارب العملية، في محاولة لإبقاء هذه المعرفة الحرفية قريبة من الناس.

