عم عبده… حين تصبح الصنعة جزءًا من ذاكرة الشارع
في جدة التاريخية، لا تحمل أسماء بعض الشوارع دلالتها من موقعها فقط، بل من المهن التي عاشت فيها لسنوات طويلة. وبين المحال القديمة وتفاصيل الأسواق، بقيت بعض الحرف مرتبطة بالمكان حتى أصبح الشارع نفسه يُعرف بها. هنا يعمل عم عبده في صناعة ليات الشيش التقليدية؛ حرفة تبدو بسيطة عند النظر إلى المنتج النهائي، لكنها تعتمد على معرفة بالخامات، ودقة في التركيب، ويد اكتسبت خبرتها مع الوقت.
صنعة تبدأ من اليد
صناعة ليّ الشيش لا تبدأ من شكله النهائي، بل من مجموعة مراحل تتطلب الصبر والدقة. تُجهز الخامات، وتُركب الأجزاء، وتُلف التفاصيل بعناية حتى يتحول ما بين يدي الحرفي إلى قطعة جاهزة للاستخدام. ومع تكرار العمل تتحول الحركة إلى معرفة؛ يعرف الحرفي مقدار الشد، وطريقة التثبيت، وكيف يحافظ على شكل الليّ وجودته حتى مع اختلاف الطول والتصميم. في دكان عم عبده، هذه التفاصيل هي التي تكشف أن ما نراه في النهاية ليس منتجًا جاهزًا فقط، بل نتيجة صنعة متراكمة.
خمسمائة متر من الحرفة
ومن الأعمال التي اشتهر بها عم عبده صناعة ليّ شيشة وصل طوله إلى 500 متر؛ تجربة تلفت النظر إلى حدود ما يمكن أن تصل إليه الحرفة عندما تتحول من صناعة قطعة اعتيادية إلى تحدٍ في الطول والتنفيذ. لكن الرقم وحده ليس هو الحكاية. خلف هذه الأمتار المتصلة توجد مراحل طويلة من العمل والتجهيز والتثبيت، وهو ما يجعل القطعة امتدادًا للحرفة نفسها أكثر من كونها مجرد رقم غير مألوف.
«في دكان عم عبده، لا تُقاس الحكاية بالسنوات وحدها… أحيانًا تمتد لمئات الأمتار.»
زقاق يحمل اسم الحرفة
وجود هذه الصنعة في جدة التاريخية ليس منفصلًا عن المكان. فالأسواق القديمة تشكلت حول المهن والتجارة، ومع الوقت ارتبطت بعض الأزقة بما يُباع ويُصنع فيها. ومن هنا يأتي زقاق الليات كجزء من ذاكرة السوق؛ محال متجاورة، منتجات معلقة، أصوات البيع والعمل، وحرفيون ظلوا جزءًا من المشهد اليومي للبلد. وعندما يدخل الزائر دكان عم عبده، فإنه لا يرى المنتج وحده، بل يرى جزءًا من الطريقة التي كانت تعمل بها أسواق جدة القديمة: الحرفة أمام الزبون، والحرفي في مكانه، والصنعة جزء من الزقاق نفسه.
حرفة باقية في تفاصيل البلد
قد تتغير المنتجات وطرق التصنيع مع مرور الوقت، لكن قيمة هذه المحال تبقى في التفاصيل التي يصعب أن نجدها في الإنتاج الصناعي الحديث. طريقة إمساك الأداة، اختيار الخامة، حركة اليد، وترتيب المحل؛ كلها تحمل معرفة لا تظهر في المنتج النهائي وحده. ولهذا نوثق عم عبده في راديو البلد؛ ليس فقط لأنه صنع ليًّا بطول مئات الأمتار، بل لأنه يمثل حرفةً ومشهدًا من مشاهد الأسواق القديمة التي صنعت ذاكرة جدة التاريخية.


