تسابيح… صناعة تقليدية بروح معاصرة
السبحة بالنسبة للمستشارة نادية فضل ليست مجرد مجموعة من الخرز المتتابع، بل مساحة تجمع بين الحرفة والتصميم والهوية. ومن خلال مشروع «تسابيح»، تعمل نادية على إعادة تقديم صناعة السبح بأسلوب معاصر يحافظ على روحها التقليدية، وفي الوقت نفسه يفتح أمامها أشكالًا واستخدامات جديدة. تبدأ كل قطعة من اختيار الخامة، وتناسق الألوان، وحجم العناصر وترتيبها، قبل أن تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى تصميم متكامل يحمل شخصية خاصة به.

خامات مختلفة… وهوية واحدة
تتنوع الخامات التي تدخل في أعمال نادية فضل بين الأحجار الكريمة وشبه الكريمة، وخشب العود، والصدف، إلى جانب خامات وتفاصيل تستلهم الموروث المحلي مثل السدو والفخار. ولكل مادة طبيعتها الخاصة؛ لون وملمس ووزن وتفاصيل تفرض نفسها على التصميم، ولذلك لا يكون اختيار الخامة مجرد قرار جمالي، بل جزءًا أساسيًا من بناء القطعة نفسها. وهنا تتحول صناعة السبح إلى حوار بين المادة واليد؛ فالخامة تقترح شكلًا، والحرفي يعيد ترتيبها وتشكيلها حتى تصل إلى صورتها النهائية.

السبحة بأكثر من شكل
لا تتوقف تجربة «تسابيح» عند الشكل التقليدي للسبحة. تستكشف نادية إمكانات مختلفة للخامات والتصميم، لتتحول بعض العناصر إلى أساور وعقود وحلي وقطع زخرفية تحمل الروح نفسها ولكن بصورة تناسب الاستخدام المعاصر. وهذه الفكرة تعكس طريقة مختلفة في التعامل مع التراث؛ فالحفاظ على الحرفة لا يعني إبقاءها في شكل واحد، بل منحها القدرة على التطور والبقاء قريبة من حياة الناس. بهذا تصبح القطعة حلقة وصل بين موروث معروف وتصميم يمكن أن يعيش في الحاضر.
«في تسابيح، نحافظ على روح السبحة ونمنح الحرفة مساحة لتعيش بأشكال جديدة.»
الحرفة معرفة تُنقل
ولا تقتصر تجربة نادية فضل على صناعة القطع؛ فجانب مهم من مسيرتها يرتبط بالتدريب ونقل المعرفة. من خلال الورش والبرامج التدريبية، تقدم صناعة السبح خطوة بخطوة؛ بداية من التعرف على الخامات والأدوات، مرورًا باختيار العناصر وبناء التصميم، وصولًا إلى تنفيذ القطعة بشكلها النهائي. وهنا تأخذ الحرفة دورًا آخر. فهي لا تنتقل من جيل إلى آخر من خلال مشاهدة المنتج فقط، بل من خلال أن يجرب الشخص الصناعة بيده ويتعرف على تفاصيلها بنفسه.

من الصناعة إلى التوثيق
اهتمام نادية فضل بالسبح لم يبقَ محصورًا في الصناعة والتصميم والتدريب، بل امتد إلى توثيق المعرفة المرتبطة بهذه الحرفة. ومن هذا الاهتمام جاء كتابها «حبات منثورة.. صناعة السبحة صناعة وفن»، ليقدم جانبًا آخر من علاقتها بالسبحة؛ ليس بوصفها قطعة للاستخدام فحسب، بل كحرفة لها تاريخ وخامات وتقنيات ومعرفة تستحق أن تُحفظ. وعندما تجتمع الصناعة مع التدريب والتوثيق، تصبح «تسابيح» أكثر من مشروع للمنتجات؛ بل تجربة تسعى إلى الحفاظ على الحرفة وإعادة تقديمها بصورة قادرة على الاستمرار.

تسابيح في قلب البلد
في جدة التاريخية، وبين الحرفيين والممارسات التي تعكس علاقة الإنسان باليد والمادة، تصبح صناعة السبح جزءًا من مشهد أوسع للحرفة السعودية. وخلال تصوير راديو البلد لنادية فضل، لا تتجه العدسة نحو القطعة المكتملة وحدها، بل نحو ما يسبقها: اختيار الخامات، وترتيب العناصر، وحركة اليد، والأدوات المستخدمة، والوقت الذي تحتاجه القطعة حتى تكتمل. في هذه التفاصيل تظهر الحرفة على حقيقتها؛ إنسان يعرف مادته، ويد تعرف صناعتها، وقطعة تحمل أثر من صنعها.



