أبو فيصل… حرفة تبدأ من الجلد
وسط جدة التاريخية، وبين المحال التي ما زالت تحتفظ بعلاقة مباشرة بين الحرفي والزبون، يعمل كمال مجيد، المعروف بأبو فيصل، في محل الوفاء للخرازة أمام بيت نصيف. هنا لا تبدأ القطعة من رف جاهز، بل من خامة تُقص وتُشكّل وتُثبت وتُزخرف حتى تصل إلى صورتها النهائية. والخرازة في هذا السياق ليست مجرد التعامل مع الجلد، بل معرفة بتفاصيله ومرونته وطريقة تجميعه وتحويله إلى قطعة قابلة للاستخدام.

حين تعرف اليد مادتها
في الحرفة اليدوية، تصبح الخبرة شيئًا يُرى في الحركة قبل أن يُرى في المنتج النهائي. مقدار الشد، ومكان القص، وطريقة تثبيت القطع، والمسافة بين كل تفصيل وآخر؛ كلها قرارات صغيرة تصنع الفرق بين قطعة عابرة وقطعة تحمل أثر الصنعة. وفي محل أبو فيصل، تملأ الأحزمة والقطع الجلدية الجدران، بينما تستمر الصناعة أمام الزائر؛ مشهد يختصر العلاقة القديمة بين السوق والحرفي، حيث تُصنع القطعة في المكان نفسه الذي تُعرض فيه.

أحزمة وقطع من ذاكرة اللباس
تدخل الخرازة في صناعة مجموعة من المنتجات المرتبطة بالملابس والاستخدام اليومي والتراثي، ومن بينها الأحزمة الجلدية والمداسات وبعض القطع التقليدية، إلى جانب أعمال مرتبطة بالجنبِيّة والخنجر والزخرفة على الجلد. وتذكر الأدلة التجارية لمحل الوفاء للخرازة أن نشاطه يشمل هذه الأنواع من الصناعات الجلدية التقليدية. وفي كل قطعة تتغير التفاصيل بحسب وظيفتها؛ سماكة الجلد، شكل الحزام، موضع الزخرفة، وطريقة التشطيب، لتبقى المادة واحدة بينما تتعدد أشكال استخدامها.
«في محل أبو فيصل، لا يخفي الجلد أثر اليد… بل يحتفظ به.»
الحرفة أمام بيت نصيف
وجود محل الوفاء للخرازة أمام بيت نصيف يضع الحرفة في قلب واحد من أكثر أجزاء جدة التاريخية ارتباطًا بذاكرة المدينة. وبين حركة الزوار والمحلات والأسواق، يبقى دكان أبو فيصل مساحة صغيرة تختصر جانبًا من حياة البلد؛ أدوات بسيطة، جلود معلقة، قطع تنتظر أن تكتمل، وحرفي يعرف تفاصيل مهنته من كثرة الممارسة. وهذا النوع من الأماكن هو ما يجعل الحرفة جزءًا من المدينة نفسها، لا نشاطًا منفصلًا عنها.

ما بين الوظيفة والزخرفة
القطعة الجلدية لا تؤدي وظيفة فقط؛ كثير من تفاصيلها تحمل جانبًا جماليًا أيضًا. اللون، والنقش، والتطريز، وشكل الحواف، وطريقة تركيب المعدن مع الجلد، كلها تحوّل القطعة من مجرد أداة إلى جزء من المظهر والهوية. ولهذا تظهر أعمال أبو فيصل متجاورة بين ما هو عملي وما هو تراثي وزخرفي، في مشهد يكشف تنوع الخرازة وقدرتها على البقاء مرتبطة بالاستخدام اليومي حتى مع تغير الأزمنة.



